مجموعة من شباب الخور أمام أحد المحال التجارية، في ستينيات القرن العشرين.
ما الذي قد تجده في درج قديم لدى عائلتك؟ ربما جواز سفر منتهي الصلاحية، أو شهادة مدرسية، أو صورة فوتوغرافية، أو مجموعة من الوثائق التي طواها النسيان ولم يعد أحد يدرك أهميتها.
لكن إذا أمعنت النظر قليلًا، فقد تكتشف أن مجموعة الوثائق العائلية تلك تخبّئ بين طياتها الكثير من المفاجآت.
تعود إحدى بطاقات الهوية التي احتفظت بها عائلة قطرية إلى عام 1970 م. وتزخر صفحاتها بالتفاصيل المكتوبة بخط اليد، والأختام الرسمية، والمعلومات المعتادة التي يُتوقع أن تتضمنها وثيقة لإثبات الهوية. غير أن وراء هذه الصفحات العادية قصة استثنائية؛ فصاحبة البطاقة، حسنة بنت مرزوق سالم، كانت أول امرأة في قطر تعمل بوظيفة ضابطة شرطة.
وفي مواضع أخرى، توثّق الصور القديمة المناسبات الاجتماعية وأداء العرضة التقليدية. ويقف الكشافة الشباب معًا أمام الكاميرا، وتصطف فرق كرة القدم لالتقاط الصور، فيما توثّق العائلات رحلاتها إلى الخارج. وتكشف التقارير المدرسية وجوازات السفر وبطاقات العمل والرسائل والشهادات جوانب أخرى من حياة الناس.
رحلة كشفية تعود إلى أوائل ستينيات القرن العشرين.
لم تُنشأ أي من هذه المقتنيات لتصبح جزءًا من التاريخ، لكنها اكتسبت هذه القيمة ببساطة لأن أحدًا احتفظ بها.
وهذه هي القصص التي يسعى مشروع الأوراق العائلية الرقمي في مكتبة قطر الوطنية إلى حفظها، من خلال جمع الصور والوثائق والمراسلات وغيرها من المواد التي تحتفظ بها العائلات القطرية، وحفظها رقميًا للأجيال القادمة.
وتقدّم هذه المجموعة طريقة مختلفة للتعرّف إلى ماضي قطر. فالأرشيفات الرسمية توثّق المؤسسات والقرارات والأحداث الكبرى التي أسهمت في تشكيل البلاد، بينما تضيف المجموعات العائلية بُعدًا آخر، إذ تكشف كيف عاش الناس تلك التحولات في حياتهم اليومية.
صورة لفريق كرة القدم لنادي التعاون في مدينة الخور، ستينيات القرن العشرين.
قد يخبرنا سجل حكومي بتاريخ افتتاح مدرسة، لكن إحدى العائلات ربما احتفظت بكشف درجات لطفل درس فيها. ويمكن توثيق نمو قطاعٍ ما من خلال السجلات الرسمية، فيما تحفظ الصور والشهادات ووثائق العمل تجارب الأشخاص الذين أمضوا حياتهم المهنية في رحابه.
وإذا تتبّعنا، على سبيل المثال، وثائق عبدالله بن علي بن محمد المطاوعة، فإن ملامح حياته تبدأ في الظهور أمامنا شيئًا فشيئًا. إذ تضم مجموعة عائلته صورًا له مع زملائه، وجواز سفر ووثائق سفر، واختبارًا للتأهيل في مهنة اللحام، إلى جانب شهادات مرتبطة بعمله وتدريبه الفني في شركة شل.
لا تروي أي وثيقة منفردة القصة كاملة. وإنما تتضح الصورة بصورة أشمل عندما نجمع هذه الشذرات معًا. فما كان يومًا أوراقًا اعتيادية مرتبطة بالحياة اليومية لشخص واحد، يمكنه بعد عقود أن يقدّم لنا لمحات عن العمل والتدريب والسفر وعن بلد كان يشهد تحولات متسارعة.
لكن الوثائق العائلية لا تحتاج إلى أن تسجّل "سبقًا" على مستوى الوطن أو مسيرة مهنية استثنائية حتى تستحق الحفظ.
فقد توثّق صورة لمناسبة اجتماعية الأزياء والتقاليد ووجوه أفراد المجتمع الذين اجتمعوا في ذلك اليوم. وقد تحفظ رسالةٌ لغةَ جيل سابق واهتماماته. وربما يسجّل جواز سفر قديم رحلات تلاشت تفاصيلها من ذاكرة العائلة. وحتى صورة لفريق كرة قدم أو مجموعة من الكشافة يمكن أن تخبرنا بالكثير عن كيفية قضاء الناس أوقاتهم، وتكوينهم للمجموعات، وتفاصيل حياتهم اليومية.
مجموعة من القطريين يؤدون العرضة في حفل زواج في فريج المرقاب في منطقة الدوحة في الستينيات.
تكتسب هذه التفاصيل أهميتها لأنها تشكّل أساس التاريخ الاجتماعي. ففهم ماضي قطر لا يقتصر على معرفة ما حدث، بل يشمل أيضًا التعرّف إلى الطريقة التي عمل بها الناس، ودرسوا، وسافروا، واحتفلوا، وتواصلوا، وبنوا حياتهم هنا.
ولا تستطيع وثائق عائلة واحدة، بمفردها، أن تروي هذه القصة كاملة.
فعندما تجتمع الصور والرسائل والشهادات والمراسلات وغيرها من السجلات المحفوظة لدى عائلات عديدة، تبدأ صورة أكثر اكتمالًا في الظهور؛ صورة تتكوّن من أجيال ومهن ومجموعات وتقاليد وتجارب متنوعة. وهكذا تصبح الذكريات الشخصية جزءًا من سجل تاريخي مشترك، يسهم في حفظ القصص الفردية الكثيرة التي تشكّل مجتمعةً الذاكرة الجماعية لقطر.
مجموعة من طلاب الصف السادس على متن سفينة في ميناء مسيعيد، استعدادًا للانطلاق في رحلة إلى مصر، عام 1962 م.
وهنا يبرز الدور المهم الذي يمكن للعائلات نفسها أن تؤديه، من خلال الإسهام في سرد حكاية قطر انطلاقًا من مجتمعاتها وتجاربها الخاصة.
ومن خلال مشروع الأوراق العائلية الرقمي، يمكن للعائلات تقديم مواد من مجموعاتها الخاصة إلى مكتبة قطر الوطنية لرقمنتها. وتظل المقتنيات الأصلية ملكًا لأصحابها، وتُعاد إليهم بعد الانتهاء من عملية الرقمنة، ما يتيح للعائلات مواصلة الاحتفاظ بوثائقها وتوارثها عبر الأجيال، في حين تسهم النسخ الرقمية في حفظها بوصفها جزءًا من الذاكرة التاريخية الأوسع لقطر. وقد توفر المكتبة أيضًا خدمات الصيانة أو الترميم لبعض المواد المختارة.
وبعبارة أخرى، فإن مشاركة وثائق عائلتك لا تعني التخلي عنها، بل تعني إتاحة الفرصة لأن تصبح حكاية عائلة واحدة جزءًا من حكاية أكبر بكثير.
حفل زفاف في الخور، في ستينيات القرن العشرين.
ولعل أكثر ما يبعث على الحماس في هذا المشروع أن هذه الحكاية لا تزال تُكتب حتى اليوم. فقد تكشف الصورة التالية التي تُرسل إلى المشروع جانبًا منسيًا من الحياة في قطر، وقد تحفظ رسالةٌ صوتًا من جيل مضى، أو تضيف وثيقةٌ تفصيلًا غير متوقع إلى تاريخ البلاد؛ وكلها مواد ربما لم تجد طريقها إلى أي أرشيف بعد.
بل ربما لا تزال في صندوق، أو خزانة، أو ألبوم صور في منزل عائلتك.
لذلك، في المرة القادمة التي تصادف فيها صورة قديمة، أو رسالة، أو جواز سفر، أو شهادة، ألقِ عليها نظرة أخرى. فقد تحمل بين طياتها جزءًا من حكاية قطر أكبر مما تتصور.
إذا كنت ترغب في الإسهام في حفظ تراث قطر من خلال حكاية عائلتك، فيُرجى التواصل مع المكتبة التراثية عبر البريد الإلكتروني [[email protected]] لترتيب لقاء مع فريق مشروع الوثائق العائلية الرقمية.
إضافة تعليق جديد