إن تنشئة طفلٍ قارئ ليست مجرد خطوة تعليمية، بل هي رحلة تبدأ منذ اللحظات الأولى لتكوينه، إذ تشير الدراسات إلى أن الجنين في رحم أمه يتأثر بنبرة صوتها وإيقاع كلماتها وهي تقرأ له، مما يبني ارتباطاً عاطفياً مبكراً باللغة. هذا الارتباط ينمو ويتشكل في سنوات الطفولة المبكرة من خلال تصفح الكتب المصورة والاستماع لقصص الأطفال الصغار، ليمتد هذا الأثر لاحقاً إلى المدرسة، البيت الثاني للطفل، حيث لا يقتصر دور المعلم والأسرة على تلقين المهارات الأساسية عبر القراءة، بل يتعدى ذلك إلى تشكيل وعي الطفل، وصقل شخصيته، وتوسيع مداركه.
فمجرد أن ترى طفلًا يقرأ، يمكنك أن تلاحظ نباهته، وقوة لغته، وطريقة تعبيره المختلفة عن أقرانه. فالقراءة لا تُعد وسيلة للتسلية فحسب، بل هي أداة حقيقية لبناء شخصية الطفل الفكرية واللغوية والمعرفية.
ومن خلال القراءة المستمرة، يطور الطفل مهارتي التحدث والكتابة في آنٍ واحد، فمن خلال احتكاك الطفل المستمر بالكلمات والأساليب اللغوية المختلفة، يكتسب ثروة لغوية كبيرة تساعده على تكوين الجمل بشكل أفضل، والتعبير عن أفكاره بثقة ووضوح، بل وحتى القدرة على رواية القصص وصياغة أفكاره بطريقة مترابطة ومبدعة.
ومع الوقت، يصبح لدى الطفل القارئ مخزون ثقافي ومعرفي أوسع من غيره، لأنه يتعرض لأفكار وتجارب وعوالم متعددة من خلال الكتب. وهذا ما يجعله أكثر قدرة على الفهم والتحليل وربط المعلومات، والتفكير بطريقة نقدية.
ولا تتوقف فوائد القراءة عند الجانب اللغوي فقط، بل تمتد أيضًا إلى تنمية التركيز والانتباه. فالطفل الذي يعتاد على قراءة القصص أو الاستماع إليها منذ الصغر، تتطور لديه مهارة التركيز بشكل ملحوظ، خاصة عندما يتابع تفاصيل الأحداث والشخصيات، أو يجيب عن الأسئلة المتعلقة بالقصة. كما أن تنوع الأصوات بحسب الشخصيات، وتغيير نبرات الصوت أثناء القراءة، يساعدان الطفل على زيادة الانتباه للتفاصيل الدقيقة وتنمية مهارة الاستماع الواعي وتعزيز مهارة الخيال.
إضافة إلى ذلك، يمتلك الطفل القارئ خيالًا أكثر خصوبة واتساعًا. فمن خلال القراءة، يسافر بين صفحات الكتب، ويكتشف عوالم مختلفة، ويتخيل الأماكن والشخصيات والأحداث، مما يعزّز قدرته على التخيل والإبداع. والخيال بدوره يُعدّ أساسًا مهمًا للتفكير الإبداعي والابتكار في المستقبل بالإضافة إلى تطوير مهارة حل المشكلات.
وعلى الأم اتباع عدة تقنيات واستراتيجيات لتشجيع الطفل على القراءة، مثل اختيار الكتب المفضلة أو نوع الكتب المفضلة، واختيار الكتب المناسبة للفئة العمرية وهذا من أهم الخطوات التي تساعد على تشكيل عادة القراءة لدى الطفل بالإضافة إلى طرح الأسئلة بعد القصة والحوار والنقاش. فطرح أسئلة تساعد الطفل على التفكير في القصة وأحداثها مما يساعد على تحفيز مهارات التفكير لدى الطفل. كما أن البدء بالقراءة للطفل منذ مراحل عمرية مبكرة أمر مهم، فكما يُقال "العلم في الصغر كالنقش في الحجر". وينبغي ألا نجعل القراءة مجرد فرض ضروري يجب الانتهاء منه، بل نجعلها عادة ممتعة، مثل القراءة قبل النوم، وتخصيص وقت محدد للقراءة مع الأهل مما يشجع الطفل على الاستمرار وربطها بقضاء وقت ممتع ومفيد.
ولتكون هذه الرحلة مثمرة، لا بد أن يتناسب محتوى الكتاب مع المرحلة النمائية للطفل. فالطفل من عمر يوم إلى عمر السنتين تجذبه الكتب المحسوسة التي تحتوي على صور، والكتب القماشية، وكتب الأصوات والألوان. ومن 3 إلى 5 سنوات تناسبهم القصص المصورة البسيطة، وقصص القيم والسلوكيات، والأرقام والأحرف. ومن عمر 6 إلى 8 سنوات تناسبه القصص القصيرة، وكتب المغامرات البسيطة، والقصص التعليمية والعلمية. ومن 9 إلى 12 سنة تناسبهم الروايات القصيرة، وقصص المغامرات والخيال، والسير، والكتب العلمية، والثقافية. ومن عمر 13 سنة فما فوق تناسبه روايات اليافعين، وكتب تطوير الذات، والأدب، والخيال العلمي، والتاريخ.
ومسؤولية التشجيع على القراءة لا تقتصر على الأسرة والمدرسة فحسب، بل تمتد هذه المسؤولية إلى المؤسسات الثقافية التي توفر بيئات داعمة ومحفزة للأطفال. وتعد مكتبة قطر الوطنية أنموذجًا مهمًا في هذا المجال، إذ توفر مجموعات متنوعة من كتب الأطفال التي تناسب مختلف الفئات العمرية والاهتمامات، إلى جانب برامج وأنشطة قرائية وتفاعلية تسهم في تنمية حب القراءة وتعزيز المهارات اللغوية والمعرفية لدى الأطفال. كما تتيح المكتبة للأطفال وأسرهم فرصة المشاركة في جلسات قراءة القصص والفعاليات التعليمية والثقافية، مما يجعل القراءة تجربة ممتعة ترتبط بالتعلم والاكتشاف وتنمية الخيال.
لهذا، فإن القراءة ليست مجرد مهارة يكتسبها الطفل، بل هي هدية ترافقه مدى الحياة، واستثمار حقيقي في عقله ولغته وشخصيته. فالطفل القارئ لا يكتسب المعرفة فحسب، بل يتعلم كيف يفكر، وكيف يحلل، وكيف يعبر عن ذاته بثقة ووعي. ومع كل كتاب يقرأه، تتسع آفاقه، ويزداد فهمه للعالم من حوله، وتتعمق قدرته على الإبداع وحل المشكلات. ومن هنا فإن بناء جيل قارئ ليس مسؤولية الأسرة أو المدرسة وحدهما، بل هو مسؤولية مجتمعية مشتركة، لأن الطفل الذي يقرأ اليوم هو الإنسان الواعي والمبدع والقادر على صناعة مستقبل أفضل غدًا.
إضافة تعليق جديد